ابن كثير

111

البداية والنهاية

الزهاد وصالحي العباد ، ولم يبلغنا هذا عن أحد من أكابر العلماء ، وأول من يذكر عنه هذا حبيب العجمي ، وكان من أصحاب الحسن البصري ، ثم من بعده من الصالحين رحمهم الله أجمعين . فلما كان يوم جمعة من عشر ذي الحجة من هذه السنة صلى الصبح عبد الله اليونيني وصلاة الجمعة بجامع بعلبك ، وكان قد دخل الحمام يومئذ قبل الصلاة وهو صحيح ، فلما انصرف من الصلاة قال للشيخ داود المؤذن ، وكان يغسل الموتى ، انظر كيف تكون غدا ، ثم صعد الشيخ إلى زاويته فبات يذكر الله تعالى تلك الليلة ويتذكر أصحابه ، ومن أحسن إليه ولو بأدنى شئ ويدعو لهم ، فلما دخل وقت الصبح صلى بأصحابه ثم استند يذكر الله وفي يده سبحة ، فمات وهو كذلك جالس لم يسقط ، ولم تسقط السبحة من يده ، فلما انتهى الخبر إلى الملك الأمجد صاحب بعلبك فجاء إليه فعاينه كذلك فقال لو بنينا عليه بنيانا هكذا يشاهد الناس منه آية ، فقيل له : ليس هذا من السنة ، فنحي وكفن وصلي عليه ودفن تحت اللوزة التي كان يجلس تحتها يذكر الله تعالى ، رحمه الله ونور ضريحه . وكانت وفاته يوم السبت وقد جاوز ثمانين عاما أكرمه الله تعالى ، وكان الشيخ محمد الفقيه اليونيني من جملة تلاميذه ، وممن يلوذ به وهو جد هؤلاء المشايخ بمدينة بعلبك . أبو عبد الله الحسين بن محمد بن أبي بكر المجلي الموصلي ، ويعرف بابن الجهني ، شاب فاضل ولي كتابة الانشاء لبدر الدين لؤلؤ زعيم الموصل ، ومن شعره : نفسي فداء الذي فكرت فيه وقد * غدوت أغرق في بحر من العجب يبدو بليل على صبح على قمر * على قضيب على وهم على كثب ثم دخلت سنة ثمان عشرة وستمائة فيها استولت التتر على كثير من البلدان بكلادة وهمذان وأردبيل وتبريز وكنجة ، وقتلوا أهاليها ونهبوا ما فيها ، واستأسروا ذراريها ، واقتربوا من بغداد فانزعج الخليفة لذلك وحصن بغداد واستخدم الأجناد ، وقنت الناس في الصلوات والأوراد . وفيها قهروا الكرج واللان ، ثم قاتلوا القبجاق فكسروهم ، وكذلك الروس ، وينهبون ما قدروا عليه ، ثم قاتلوهم وسبوا نساءهم وذراريهم ، وفيها سار المعظم إلى أخيه الأشرف فاستعطفه على أخيه الكامل ، وكان في نفسه موجدة عليه فأزالها وسارا جميعا نحو الديار المصرية لمعاونة الكامل على الفرنج الذين قد أخذوا ثغر دمياط واستحكم أمرهم هنالك من سنة أربع عشرة ، وعرض عليهم في بعض الأوقات أن يرد إليهم بيت المقدس وجميع ما كان صلاح الدين فتحه من بلاد الساحل ويتركوا دمياط ، فامتنعوا من ذلك ولم